صورة المدونة

صورة المدونة
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حسن عباس، لبنان، مخيم الجليل، اللاجئون الفلسطينيون، النازحون السوريون.. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حسن عباس، لبنان، مخيم الجليل، اللاجئون الفلسطينيون، النازحون السوريون.. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 6 مارس 2013

"شعبان" فلسطينيان في مخيّم واحد


مخيّم الجليل القائم في مدينة بعلبك هو مخيّمات. هناك "المخيّم المقيم" و"المخيّم المهاجر". هناك، كما حال كل مخيّمات اللاجئين الفلسطينيين، "داخل المخيّم" و"خارج المخيّم". في داخل المخيّم يستقبل "السكان الأصليون" حالياً فلسطينيين نزحوا من سوريا. كلهم يريدون تقاسم أرض المخيم الضيقة والظروف المعيشية الصعبة .

"لا نشعر بقيمة الشيء إلا بعد فقدانه"، يقول مؤيد، الفلسطيني النازح من مخيّم اليرموك ويضيف: "صرنا نحسّ إنو المخيّم (اليرموك) شغلة كبيرة". المخيم كان المحطة الثالثة في ترحال بعض النازحين. من اليرموك أو حيّ السيدة زينب إلى دمشق فإلى خان الشيخ ثم أخيراً إلى بعلبك. وصلوا وتفاجأوا بالظروف المعيشية التي يعيش في ظلها أبناء المخيّم، فمعظمهم يزوره للمرّة الأولى.
تأمين الحاجات الأساسية للنازحين تتولاها الهيئات التي ترعى شؤون المقيمين وهي بشكل أساسي: الأونروا، اللجان الشعبية، الهلال الأحمر الإماراتي، الصليب الأحمر الدولي، والجمعيات الفلسطينية، المجلسان الدانمركي والنروجي للاجئين. الأخيران هما المقدّم الأول لمازوت التدفئة في منطقة تشتهر بشتائها القارس.

كل ظروف الحياة هي مدار لنقد فلسطينيي المخيّم. من صعوبة إيجاد فرص العمل إلى نوعية التقديمات الاستشفائية إلى حال البنى التحتية. "هناك طبيب واحد في مستوصف المخيّم يداوي كلّ الحالات"، يقول أحد أعضاء اللجان الشعبية. "سماسرة الأونروا باعونا"، يقول كارم طه، أمين سر اللجنة الشعبية لتحالف القوى الفلسطينية، في تعليق له على مشروع بنى تحتية فاشل نفذته الوكالة الدولية لغوث اللاجئين الفلسطينيين ولم يمنع تدفق مياه الشتاء إلى داخل بعض المنازل. في المخيّم 200 منزل آيل للسقوط لم تصلح منها الـ"أونروا" سوى 30، بحسب أبو محمود الذي يتابع ملف البنى التحتية في اللجان الشعبية.

مصادر الأونروا تقول إنها تساوي الفلسطيني النازح من سوريا بالفلسطيني المسجل على اسم المخيم، خاصة على صعيدي الإستشفاء والتعليم. عند الساعة الواحدة ظهراً، ينتهي الدوام الدراسي في مدرسة الأونروا ويبدأ دوام آخر يستمر حتى الساعة الخامسة لتدريس النازحين وفق المنهاج السوري.

تساعد الأونروا النازحين، فور وصولهم، بتقديمات عينية كالمواد التموينية والفراش. وتساوي بين الجميع في مساعداتها غير الدورية. في الأشهر الثلاثة الماضية، أعطت لكل فلسطيني في المخيم قسيمة شرائية بقيمة 50 دولاراً لشراء الثياب من محل شعبي معروف، وقسيمة لشراء مواد غذائية بقيمة 25 دولاراً و40 ولاراً نقداً. 

يسخر أسامة عطواني، مسؤول جبهة النضال في المخيّم، من هذه التقديمات. يقول إن قيمة القسائم وهمية وعندما يريد الفلسطيني استبدالها لا يحصل على ما يوازي قيمتها ويخبر أن "هذه المحلات رفعت أسعارها وعرض نوعيات رديئة بعد توزيع القسائم". في الحقيقة، يحاول بعض الحاصلين على قسائم شرائية استبدالها بمبالغ نقدية فيخضعون لابتزاز أصحاب المتاجر. آخر تقديمات الوكالة الدولية لغوث اللاجئين الفلسطينيين كان مبلغاً مالياً مقطوعاً قدره 190 ألف ليرة لبنانية لكل عائلة و30 ألفا لكل فرد.

"لن نقول إن سكان المخيّم الآن هم شعبان ولكنهم من بيئتين مختلفتين لكل منهما عاداتها وتقاليدها"، يشرح وليد عيسى، عضو اللجان الشعبية. إشكالات كثيرة وقعت بين أبناء البيئتين ودفعت أبو وائل إلى إجراء بحث ميداني حول مجتمع المخيّم الجديد كوسيلة لفهم ما استجدّ. 

على مدخل المخيّم افتتح حديثاً مطعم صغير يقدّم الفول والحمص والفلافل اختار صاحبه له إسم "باب الحارة". يعمل فيه أحد النازحين من سوريا ويدعى "أبو حاتم".  يتقاضى أبو حاتم يومياً بين 15 و20 ألف ليرة لبنانية ويسكن وعائلته في غرفة داخل أحد مراكز الإيواء. "نوعية الطعام الذي نقدمه مماثلة لنوعية الطعام الذي كنّا نقدّمه في اليرموك. ولكن الحمص لا. مذاق الحمص الحوراني ألذ"، يقول. في إحدى الغرف التي تسكنها عائلة نازحة ستجول بعينيك كثيراً في أرجائها ولن تقع عيناك الباحثتان عن مواد غذائية سوى على كيس حليب صغير وحمص منقوع في طنجرة مليئة بالمياه. حتى الحمّص غير الحوراني هو عملة نادرة لدى البعض.

حالة مخيّم الجليل تختلف تماماً عن حالة باقي مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. في هذا المخيّم الذي تخلو مداخله من أيّة نقطة أمنية لبنانية تتعايش كل الفصائل الفلسطينية بسلام. لكل حائط في المخيّم هويته التي تُظهرها الصور الملصقة عليه. صور  بشار الأسد المعلقة على جدران مكتب الصاعقة لا تنفي التواجد القوي لحركة حماس داخل المخيّم.

هنا، لا تواجد للحركات السلفية والعلاقة بالجوار اللبناني جيّدة. وهنا ستقع على شاب فلسطيني يخرج من المخيّم بسيارته البي. أم. دبليو ويستمع، بصوت مرتفع، إلى لطميات شيعية. "كل الأطراف السياسية اللبنانية لها جمهورها داخل المخيّم. الكل بلا استثناء"، يقول وليد عيسى (أبو وائل).

نشر في موقع المدن الالكتروني www.almodon.com في 5/3/2013 
الصور المرفقة بعدسة زهراء مرتضى

الاثنين، 4 مارس 2013

الهجرة الثانية إلى أرض الجليل

"آباؤنا عاشوا النزوح ونحن نعيشه الآن، ونخاف أن يعيشه أولادنا في المستقبل"، يقول نازح فلسطيني من مخيّم اليرموك إلى مخيّم الجليل. جملة تلخّص حال أمثاله ممَّن لجأوا إلى ديار الشتات الفلسطيني في بعلبك حيث بالكاد تتوفر لـ"السكان الأصليين" مقومات الحياة الأساسية.

في غرفة اسطبل لا تصلها الشمس، كانت مخصصة لخيول جيش الانتداب الفرنسي، تبكي إمرأة عشرينية حال رضيعها المصاب بالربو وتلوّح بتقرير طبي أشار فيه الطبيب إلى ضرورة إسكان الطفل في مكان يصله الهواء النقي. إحدى الغرف الصغيرة يتقاسمها 13 شخصاً. "كانوا في العراء تحت المطر. لذلك أعطيتهم غرفتي هذه"، تقول صاحبة المنزل الستينية. في مخيّم الجليل، تأمين المأوى للنازحين هو المشكلة الأساسية.

منذ تموز الماضي بدأ الفلسطينيون النازحون من سوريا بالوصول إلى مخيّم الجليل. قبل ذلك، كان في المخيّم ما يكفي سكّانه من مشاكل. "النازحون يحزنون علينا بسبب ظروف عيشنا"، يقول وليد عيسى، عضو اللجان الشعبية. "قبل النزوح كانت حالتنا تشبه النكبة"، يصف عمر قاسم موسى، أمين سر اللجنة الشعبية ظروف الحياة هناك.

يشكو موسى تفشي البطالة وصعوبة توفير المحروقات في فصل الشتاء وتلوث مياه البئر الإرتوازي الوحيد في المخيّم وحالة البنى التحتية الكارثية. ولكن بعد النزوح من سوريا اختلف الوضع. زاد سوءاً.

على أرض ثكنة "ويفل" العسكرية الفرنسية التي لا تتعدى مساحتها 43 ألف متر مربّع، يقوم مخيّم الجليل. قبل بدء موجات النزوح كانت تقيم فيه حوالى 550 عائلة معدّل أفرادها 5. الآن يأوي أكثر من ألف عائلة.

يواجه سكان المخيّم الذي يحمل اسم أرض أوائل اللاجئين "معضلة إسكان النازحين"، على حد تعبير موسى، فالنازح الفلسطيني من سوريا يتوجه مباشرة إلى المخيمات "لأن الفلسطيني يشعر بهمّه ولأنه لا يعرف مكاناً آخر يتوجه إليه". "نقص نصف عمرنا في الأشهر السبعة الأخيرة. يأتي الفلسطينيون النازحون ويبكون ونحن لا نستطيع مساعدتهم"، يشكو كارم طه، أمين سر اللجنة الشعبية لتحالف القوى الفلسطينية. "المعضلة" تواجه فقراء المخيّم الذين لا يمتلكون الموارد المالية اللازمة لهجره إلى ما هو أفضل منه.

الفصائل الفلسطينية فتحت مكاتبها لاستقبال للنازحين. بعض سكان المخيّم تخلوا عن غرفة يمتلكونها لإيواء أبناء وطنهم. آخرون أجّروا بيوتهم. بالقرب من المخيّم وإلى جانب مدفنه، أقيم "مركز الإيواء رقم 1" على أرض تعود ملكيتها للوقف الإسلامي. هذا المركز كان سابقاً مسبحاً وصالة للأفراح وقاعة لتقبل التعازي. حوّلته جمعية "الغوث الإنساني للتنمية" إلى 27 غرفة تأوي 37 عائلة. هنا الوضع جيّد إذ تتوفر التدفئة ووجبة ساخنة يومية وغيرها من التقديمات. داخل المخيّم حوّلت الجمعية مكاتب حركة حماس ومدرسة "دار الغفران" لتعليم القرآن إلى مركزين آخرين للإيواء.

ولكن هذا لا يكفي. من جانبها، "لا تقدّم الأونروا شيئاً يذكر لحل مشكلة الإيواء"، يقول وليد عيسى. قبل مدة اعتصم سكان المخيّم وطالبوا الوكالة الدولية لغوث اللاجئين الفلسطينيين بنقل مسؤوليتها عن الفلسطينيين من سوريا إلى لبنان وبتوفير المأوى لهم. هددوا باقتحام المباني التابعة لها وتحويلها إلى أماكن للإيواء. "سنستثني المدارس. ستكون آخر الخيارات الصعبة المؤلمة بالنسبة لنا"، يقول كارم طه ويضيف: "لن نترك بناتنا في الشوارع". اليوم (الثلاثاء)، نفذت اللجان الشعبية نصف تهديداتها. أغلقت مكتب مدير الأونروا في المخيم وأرسلت مذكرة ثانية إلى الوكالة الدولية أبلغتها فيها أن اللجان ستفتح المباني التابعة لها في حال وصول نازحين جدد. اللجان قررت الاجتماع نهار الخميس المقبل لتقييم الوضع وتحديد وجهة تحركاتها القادمة بناءً على المستجدات.

ما الذي تستطيع الأونروا فعله؟ المخيم ضيّق ولا يمكن إضافة أبنية جديدة داخله. بالقرب من المخيم توجد قطعة أرض وهبتها منظمة التحرير الفلسطينية للوقف الإسلامي عام 1982. "يمكن للاونروا أن تأتي ببيوت متحركة كتلك التي تم تأمينها لسكان مخيّم نهر البارد ووضعها على قطعة الأرض هذه"، يقول محمد خلف، مدير مراكز الإيواء في مخيّم الجليل. "عرضنا هذه الفكرة على أحد المقربين من رئيس الحكومة اللبنانية فرفضها بحجة أنه سيتهم بالعمل على توطين الفلسطينيين"، يقول كارم طه. مصادر الأونروا تقول أنها ممنوعة من إقامة مراكز إيواء خارج المخيّم. "إجتهم من غيمة هالحجة"، يقول أسامة عطواني، عضو اللجان الشعبية الذي يتهم الوكالة الدولية بما يسميه "انتهاج سياسة تقليص لتقديماتها".

"نحن نحب سوريا. لحم أكتافنا من خيرها"، تقول نازحة خمسينية فتثير امتعاض أحد عناصر حركة حماس الذي يجيبها: "كلنا بنحب سوريا. بس اتفقنا ما نحكي سياسة". "ناطرين نرجع عبلدنا"، تقول نازحة أخرى تتدلى من عنقها سلسلة ذهبية غليظة. وعند استفسارها عن قصدها تجيب: "أقصد سوريا. حتى لو عدنا إلى فلسطين لا أعرف إن كنت سأقدر على العيش هناك".

 نشر في موقع المدن في 3/3/2013
www.almodon.com
الصور المرفقة بعدسة زهراء مرتضى