صورة المدونة

صورة المدونة

الخميس، 11 أبريل 2013

"فلسطين قبل 1948": صور لعالم تعرض للتدمير



"فلسطين قبل 1948 ليست مجرد ذاكرة". هذا هو عنوان معرض الصور الفوتوغرافية للمصوّر خليل رعد (1854-1957) الذي تستقبله "مؤسسة رفعت النمر الاجتماعية" القائمة في كليمنصو ـ شارع جوستينيان ويستمر حتى 14 نيسان 2013.

يقام المعرض بمناسبة اليوبيل الذهبي لـ"مؤسسة الدراسات الفلسطينية"، وتتولى تنظيمه الفنانة الفلسطينية والمحاضرة في الفن والعمارة الإسلامية فيرا تماري. وفيه صور يعود تاريخها إلى بدايات القرن العشرين التقطها بعدسته أول مصور عربي في فلسطين. هي صور من ذاكرة شعب صار بلا أرض.

 
رحلة في الماضي
في تنقّـلك بين صورة وأخرى من أعمال خليل رعد، يتسرّب إليك شعور بأنك تسافر في الزمن نحو الماضي. تشعر وكأنك تقلّب صفحات ألبوم قديم اكتشفته فجأة بعد أن كان أحدهم يخفيه في مكان سرّي.

تجول في المعرض باحثاً عن مشاهد تصدّق كل ما تناهى إلى سمعك عن فلسطين، قبل "نكبة" 1948. تنجح أحياناً وتفشل أحياناً أخرى. ومرّات تفاجئك إحدى الصور وترسم في رأسك علامات تعجّب ستبحث لاحقاً عن وسيلة لمحوها. 


من صورة إلى أخرى، تبدأ بإعادة بتركيب الفضاء التاريخي ـ الاجتماعي لفلسطين. هنا سنابل قمح سمراء تصل حتى كتفي رجل أسمر يعبر الحقل. هناك البرتقال الذي تسمع حكاياته في الأناشيد الشعبية. وإلى جانب بساتين يافا مزارعون يقطفون أشجار الزيتون وصيادون يلتقطون أسماكاً وهبتهم إيّاها بحيرة طبريا...

في أسواق المدن الفلسطينية تمرّ بالقرب من صائغ مزهوّ بما يعرضه وتعبر من أمام دكان صرّاف، ويسعدك النظر إلى "صندوق الفرجة" من دون أن تستطيع تخيّل ما كان من الممكن أن يحتوي عليه. في كل الحالات لن تكون تلك الصور أكثر جاذبية من مشاهدة محطة القطار في مدينة القدس...

تكتسب أعمال رعد قيمة عالية، لا لغنى موضوعاتها وتنوعها فقط، بل أيضاً لقيمتها الفنية وجماليتها. في العالم الذي تنقلك إليه صور رعد تتغيّر طبيعة إدراكك للأشياء. حس الإدراك "لا تحدده الطبيعة فحسب، بل أيضاً الأوضاع التاريخية"، قال يوماً والتر بنيامين.

أرشيف النسيان
ينقلنا المعرض إلى عالم رواية بصرية صفحاتها مجموعة تضم 75 صورة تصف مختلف جوانب الحياة في فلسطين، خلال فترتَي الحكم العثماني والانتداب البريطاني. وتأخذنا مجموعة أخرى تتضمن أكثر من 80 "بورتريه" فردي وجماعي، أفرَد لها حيّزاً خاصاً في المعرض، إلى عالم الأشخاص الذين كانوا يعيشون في ذلك الزمان على أرض فلسطين.

صور رعد المعروضة تعكس مختلف نواحي العمل الذي قام به أول مصوّر عربي. تضعنا صوره أمام أرشيف خطير يجمع مناظر طبيعية، مشاهد من الحياة اليومية في المدن والقرى، أحداث عامة، أحداث دينية، مواقع دينية وأثرية وصور لشخصيات بارزة.

جزء من أعمال رعد يكشف تأثره، في بداياته على الأقل، بالأنماط الغربية التي أرساها المصوّر الفرنسي فيليكس بونفيس في عمله المرجعي عن فلسطين خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر.
هكذا نجد أنفسنا أمام مشاهد "توراتية" يصممها رعد بشكل يرتب الأشخاص في وضعيات تحيل إلى روايات العهد الجديد: ميلاد المسيح، الهروب إلى مصر، قدوم المجوس... ونقابل أشخاصاً يرشحون سحراً شرقياً بفعل مظهرهم واللباس التقليدي الذي يرتدونه.

 
يرى البعض أن رعد غارق في الرؤية الاستشراقية. فالباحثة أناليس مورز تعتبر أنه "استخدم في تقديمه للفلسطينيين العرب، معظم الأحيان، الدلالات التوراتية التي اختزلت حياتهم في لحظة واحدة من الزمن".

صور المناظر الطبيعية التي التقطها رعد تأتي غالباً خالية من الأشخاص وتنقل الناظر إلى أجواء رومانسية. لكن هناك صور لمشاهد خارجية تبرز وجهاً آخر لفلسطين وتعكس مختلف جوانب الحياة اليومية الفعلية للفلسطينيين في الأرياف والمدن على السواء.

في بداية الحرب العالمية الأولى، استطاع رعد الوصول إلى الدوائر الرسمية والمنشآت العسكرية العثمانية، وأعطي حرية الوصول إلى جبهتي مصر وفلسطين. التقط صوراً كثيرة لكنها اختفت. البعض يعتبر أنه أخفاها عن قصد كي لا يتعرض للمساءلة من قبل البريطانيين.

سلطات الانتداب البريطاني، من جانبها، كلفت رعد بمهمات تصويرية، لكن علاقته معها لم ترقَ أبداً إلى مرتبة الحميمية التي نشأت بينه وبين العثمانيين. ورغم القول إن عمله خلال فترة الانتداب كان يتجاوب مع مشاعر الجماهير المعادية للاحتلال، إلا أنه يلاحَظ غياب صور الثوار الفلسطينيين عن مجموعات رعد.

الذاكرة المناضلة
يعتبر رئيس لجنة الأبحاث في مؤسسة الدراسات الفلسطينية كميل منصور أن "المعرض، كونه مستقى من أرشيف المؤسسة، يشير إلى جهدها الدؤوب في حفظ الذاكرة الفلسطينية عن طريق اقتناء ما هو أصلي وأصيل، من وثائق وخرائط وأفلام ومؤلفات ومذكرات شخصية وعائلية وصور".

تمتلك مؤسسة الدراسات الفلسطينية مجموعات من الصور المحفوظة تضم أكثر من 10 آلاف صورة، تمتد من أواخر القرن التاسع عشر حتى الزمن الحديث. أهم هذه المجموعات هي مجموعة خليل رعد التي تضم أكثر من 3000 صورة تمتد من أواخر القرن التاسع عشر حتى عشية حرب 1948. ومن المجموعة الأخيرة تم انتقاء صور المعرض.

إلى جانب الصور الفوتوغرافية، يستقبل المعرض أعمالاً فنية تفاعلية تحاول تقديم قراءات معاصرة مستوحاة من أعمال رعد. فنانون بصريون وكتاب يبحثون في أيقونات رعد عن قضايا التغيير والترابط مع فلسطين بماضيها وحاضرها. يشارك في هذا التفاعل الزماني المكاني الكتّاب هدى بركات ورجا شحادة وعدنية شبلي ورشا سلطي والفنانون يزيد عناني وفلاديمير تماري ومروان رشماوي وعصام نصار.

بعض صور سيبقى عالقاً في ذهنك وصور أخرى ستنساها. ولكن فكرة مؤكدة ستهاجمك فور بدء ترحالك بين الصور وستبقى تراودك. لم تكن هناك أرض بلا شعب ولكن كان هناك شعب صار بلا أرض.
 
سيرة خليل رعد 1854-1957
خليل رعد هو من المصورين "المحليين" الأوائل في فلسطين، وأغلب الظن أنه العربي الأول الذي امتهن التصوير (حرفة كان يحتكرها الأرمن). ولد رعد سنة 1854 في قرية بحمدون اللبنانية، وانتقل مع عائلته في صغره إلى القدس. وهناك تعلّم مهنة التصوير على يد غرابيت كريكوريان.

سنة 1890، أنشأ رعد "ستوديو" خاصاً به في شارع يافا، قبالة "ستوديو" معلمه السابق، فانطلقت منافسة حادة بين الرجلين لم تتوقف إلا سنة 1913 عندما نشأت شراكة بين الإثنين على أثر المصاهرة بين العائلتين. نجح المعلم والتلميذ في عقد تفاهم تولى رعد بموجبه التركيز على تصوير الفعاليات العامة وأحداث القدس وفلسطين، في حين تولى كريكوريان تصوير البورتريهات. هكذا بدأ انخراط رعد في التصوير الفوتوغرافي على الصعيد العام.

في الأشهر التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الأولى، سافر رعد إلى سويسرا لدراسة تقنيات التصوير الجديدة التي ابتكرها المصور السويسري كيلر، ثم عاد ليمارس عمله في فلسطين.
فصلت الأحداث التي دارت سنة 1948، بين رعد والـ"ستوديو" الخاص به والواقع في منطقة باب الخليل. كاد يفقد جزءاً كبيراً من أرشيفه الغني لولا جرأة شاب إيطالي من أصدقائه عمد، خلال عدد من مهمات الإنقاذ الليلية، إلى تهريب الصور السلبية )نيغاتيف(.
خسر رعد وعائلته الـ"ستوديو" والمنزل. هربوا إلى بحمدون، مسقط رأسه. لكن عندما وضعت الحرب أوزارها، عاد إلى المدينة التي أصبحت مدينته وهناك توفي سنة 1957.

(نشر في now.mmedia.me في 23/3/2013)
الصور لخليل رعد

آحاد الآلام الشيعية



في ذكرى مرور أسبوع على وفاة أحد المواطنين الجنوبيين حضر الشيخ وحضر النائب. كلّ منهما كان قد حجز مكاناً له ليخطب في جموع المعزّين. سبق الشيخ النائب إلى منبر الخطابة وقال ما قاله. وحين لحق به النائب، بادر المجتمعين بالقول: "بما أن الشيخ لم يترك لي شيئاً لأقوله في السياسة سأتحدث في الدين. بسم الله تعالى...".
 
في هذه المناسبات المحدودة في الزمان والمكان، وبعيداً عن "إزعاج" توثيق وسائل الإعلام لما يقال، تخرج الأحاديث الأكثر حدةً. هي أيام الآحاد في القرى الشيعية. يجتمع الأهالي في الحسينيات في مناسبات الذكرى السابعة أو الذكرى الأربعين لوفاة أحد أبناء القرية. لم تعد تقام هذه المناسبات إلا في نهاية الأسبوع فالتضامن بين الناس خفّ ولم يعد ممكناً إبداؤه سوى في أيام العطلة.
 
اختصاراً يقول الناس "أسبوع المرحوم". بين بيئة وأخرى تختلف دلالات هذه الكلمة وإن كانت جميعها تشترك في فكرة أداء واجب العزاء تجاه ذوي الميت. يمكن أن تقتصر المناسبة على تلاوة آيات من القرآن، كما هي عادة أهل السنّة (المناسبات التي تقام في "الجمعية الإسلامية للتخصص والتوجيه العلمي" مثالاً). ويمكن أن يتضمّن الأسبوع تلاوة آيات قرآنية وقراءة عزاء، وهذه هي الحال في البيئات الخارجة عن سيطرة مفاهيم حزب الله وحركة أمل (المناسبات التي تقام في قاعة الاحتفالات في مجمع الإمام شمس الدين مثالاً). بعض العادات الدارجة تضيف إلى العنصرين الأخيرين خطبة لرجل دين.
 
أما "العادة الطاغية عند الشيعة اليوم" فهي أن تجتمع العناصر الثلاثة المذكورة وأن يضاف إليها عنصر رابع هو خطبة يلقيها رجل سياسة، وفي حال غياب الأخير يتحدث رجل الدين في الدين وفي السياسة. رجل السياسة هو عادةً أحد نواب المنطقة. كثيراً ما يتفاجأ ذوو الميت بحضور نائب دون أيّة معرفة سابقة به. ولكن في العادة يكون حضوره "نوعاً من التكريم" لعائلة الميت أو نوعاً من "مقابل للوفاء السياسي". بين قرية وأخرى تختلف الأعراف. ولكن المنبر الوحيد الذي يخاطب حزب الله وحركة أمل الناس عبره هو منبر الحسينيات وبالتحديد في أيام الآحاد.
 
تشهد منابر الحسينيات صراعاً خفياً بين رجال الدين ورجال السياسة. الصراع هو على الأسبقية في اعتلاء المنبر. بعض المشايخ يرفضون أن يسبقهم السياسي في الكلام لأن معظم الحاضرين ينفضّ فور انتهاء كلمته. هؤلاء عددهم يقل شيئاً فشيئاً. المسألة ترتبط بقوة حضور رجل الدين في قريته وفي وسط عائلة الميت.
 
من منابر الحسينيات، يستمع الناس إلى ما لا يستمعون إليه عبر وسائل الإعلام. هنا يكون "الدوز أعلى بكثير". نواب حزب الله يبدأون حديثهم بالدين ثم ينتقلون إلى السياسة مازجين بين الإثنين في "منظومة كلام دينيسياسي". أما نواب حركة أمل فمعظمهم يكتفي بالحديث في السياسة.
 
في إحدى المناسبات، استفاض أحد النواب في نقد السياسة الأميركية وفي كيل الإتهامات للرئيس الأميركي باراك أوباما. ضاق إبن المتوفى ذرعاً وفقد صبره فوقف وقال للنائب: "يعطيك العافية، بس والله أبي لا يعرف أوباما".
 
حين لا يأتي أحد السياسيين يُكثر رجل الدين من الحديث في السياسة ليعوّض غيابه. "أحياناً يقترب أحد أبناء الميت من الشيخ ويقول له: مولانا اليوم سيأتي أصدقاء سنّة أو أصدقاء مسيحيون، لينبهونه من التمادي في الكلام". يروي هذه الوقائع أحد الشيوخ ويعلّق: "هذا يعني أن الحالة العامة هي حالة الحديث الذي يسبب الإثارة والحالة الخاصة هي حالة الحديث الهادئ والمتّزن". الشيخ يضيف: "للأسف يستثمر معظم رجال الدين استشهاد الإمام الحسين ووقائع تاريخية عدّة في اسقاطات على السياسة اليومية".
 
في الطائفة الشيعية شيوخ عقلاء يعملون ليلاً ونهاراً على حض الناس إلى التقارب وإن على حساب بناء شعبية خاصة بهم. ولكن العديد من الشيوخ  يبثون التفرقة عن وعي أو عن غير وعي. أسباب كثيرة تدفع برجال الدين المنتشرين في القرى إلى حد المزايدة في التحريض على السياسيين. يريدون الظهور بمظهر الملكيين أكثر من الملك. هكذا يكسبون رضى الأحزاب السياسية المهيمنة وعلى طريقهم، يكسبون إعجاب الناس! ولا ننسى أن رجل الدين ليس كائناً فضائياً بل هو ابن بيئته والبيئات اللبنانية لم تعد تنتج متطرفين.
 
ليس رجال الدين هم المتطرفين. المجتمع كلّه متطرف. كل البيئات المغلقة، في كل الطوائف اللبنانية، مليئة بالتطرف. الناس يتفاعلون مع الخطابات التي تنتقد "الآخرين" بحدة مازجة السياسي بالطائفي. هذا ما تستحسنه "عقول الناس" من كلام. "الشيخ الذي يريد بناء قاعدة شعبية يخاطب الأحقاد الدفينة في الإنسان"، يقول أحد المشايخ.

(نشر في www.almodon.com في 21/3/2013)

حلمٌ... لا ذكرى



نهار 14 آذار 2005 كان تاريخياً. التاريخي فيه هو تلك المشهدية التي احتضنتها ساحة الشهداء. لم تُرفع الأعلام اللبنانية بهذه الكثافة لا قبل ذاك النهار ولا بعده. حمَلة الأعلام حملوا معهم "حلم 14 آذار". كلّ منهم نزل إلى الساحة شاهراً توقه إلى وطن. بعض الحالمين استفاق والبعض الآخر يعيش حالة إنكار لفجاجة الواقع.

لا داعي للغرابة. نحن في لبنان، هذه الدولة الصغيرة الولّادة الخصبة لأحلام معظمها يتم وأده وقليل منها يستمر في الحياة حتى يصيبه الوهن دون أن يتحقق. "حلم 14 آذار" هو حلم له حياته الخاصة وله شكله الخاص في ذهن كل حالم. هو ذاك الطفل الصغير الذي ينمو داخل كثيرين من اللبنانيين ويساعدهم على تأخير شيخوختهم الممهدة للموت.

"حلم 14 آذار" هو غير قوى 14 آذار. الأخيرة سرقت عنوانه وشوّهته بفشلها في التعبير عنه، أي في تجسيده، لأنها تنتمي إلى زمان التناقضات وغياب الرؤية الواضحة والحسابات الضيّقة لا إلى زمن الأحلام. وفي عودة سريعة في الذاكرة إلى الوراء تبيّن لنا أنه، في السياسة، لا وجود لتيار سياسي يستحق حمل إسم حلم مَن تقاطروا من كل المناطق وملأوا ساحتي الشهداء ورياض الصلح.

نزل اللبنانيون إلى الشارع عام 2005  أساساً للمطالبة بخروج الجيش وأجهزة المخابرات السورية من لبنان. ونزلوا مستنكرين اغتيال رئيس حكومة وطامحين إلى لبنان أفضل. هكذا، بهذه العمومية. الحلم الجماعي الذي راود، لأول مرّة بعد انتهاء الحرب الأهلية، مسلمين ومسيحيين في الوقت عينه انتهت مفاعيله في 26 نيسان 2005 مع تحقيق لبنان استقلاله. رصاصة الرحمة تأخرت قليلاً إلى حين ضربت قوى 14 آذار طموحات جمهور الحلم بدخولها في "التحالف الرباعي" وتبكيرها في الصراع على تقسيم المقاعد النيابية في ما بينها

بين سنة وأخرى اختلفت خطاباتها إلى حدّ التناقض. كل احتفال بمناسبة 14 آذار أو 14 شباط كان يكتسي برداء سياسي مختلف ما يجعلنا أمام حركات 14 آذار، تتغيّر مع تغيّر الزمن أو ببساطة أمام تجمع قوى سياسية "عادي" لا يرقى إلى مرتبة حامل الأحلام.

في كل احتفال بذكرى 14 آذار كانت تُردَد معزوفات الشعب العظيم والاستثنائي! أجل. هو استثنائي بعدم مساءلته للسياسيين وبقبوله الكذب عليه سنة بعد سنة. الإيجابية الوحيدة في خطابات قوى 14 آذار هو ترداد كلمة الدولة، وهي لا تتعدى كونها إيجابية لفظية

رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع اعترف بأن قوى 14 آذار هي تجمّع تناقضات. "طبيعي، فهي مجموعة أحزاب وشخصيات مختلفة من أماكن لم تكن تلتقي سابقاً، إضافة إلى ذلك أنها موجودة أيضاً في السلطة، مع ما يعنيه ذلك من ضرورات العمل السياسي والتعاطي به"، قال جعجع معتبراً أنه "يكثّر خيرها أمام كل هذه التناقضات". حلم 14 آذار أثقل من أن يحمله تحالف قوى 14 آذار.

القليل من جمال حركة 14 آذار السياسية سببه بشاعة خطاب خصومها. "أداء قوى 14 آذار جيد، مقابل أداء سيء لقوى الثامن من آذار"، قال جعجع في 14 آذار 2010، محاولاً تبرير الفشل. كلمات كان يجب أن تكون كافية للاستيقاظ من الحلم. نجحت قوى 14 آذار في المواظبة على ترداد فقرات وردت في "اتفاق الطائف" ولكنها فشلت في ما يتعدّى الكلام. الظروف لم تساعدها ولكن لو ساعدتها لما تغيّر شيء. فالرطانة لا تنتج سياسة جيّدة. وهذه القوى تخطت أرقاماً قياسية من حيث عدد التناقضات في خطاباتها.

لم تستحِ هذه القوى في برنامجها للعالم 2011 من اعتبار أن "ثورة التغيير الديمقراطي التي تجتاح بلدان العالم العربي... تلتقي مع انتفاضة الحرية والاستقلال في لبنان". نسيت دعوتها، في برنامجها للعام 2008، إلى "ملاقاة ودعم التحول الجاري في العالم العربي حيث بدأت ترتسم معالم نظام اقليمي عربي جديد وحديث بعيداً عن الديماغوجيا السابقة". 

"قوى التغيير" التي وضعت في أولوياتها، في برنامجها السياسي الأخير، التشجيع "على نشوء بيئات وتجمعات عابرة للطوائف توفّر شروط التلاقي على ثوابت وطنية مشتركة، وتعيد الأولوية للمشترك السياسي ـ الوطني على أي عامل آخر، وصياغة قانون عصري للانتخابات يفسح في المجال أمام تجديد النخب السياسية لا إقفال الأبواب بوجهها"، بعضها يتبنى مشروع القانون الارثوذكسي وبعضها الآخر معياره للقانون الواجب اعتماده نجاح هذا النائب الهرم أو ذاك.

14 آذار هو مناسبة لاستخلاص العبر الوطنية كما هو مناسبة لاستخلاص عفن السياسة اللبنانية. سيبقى "حلم 14 آذار" فعمره في محفظة الأحلام اللبنانية سابق على هذا التاريخ بكثير ومدة صلاحيته لا تنتهي إلا بولادة الدولة.

(نشر في www.almodon.com في 17/3/2013)

جنرال 14 آذار



مستهجناً "الهمجية السورية"، احتار في انتقاء الأوصاف اللازمة لوصف ممارسات الجيش السوري. قال: "لا أعرف هؤلاء البشر من أي عرق، ولا أعرف من أي جنس، ولا أعرف من أي معدن!". إنه الجنرال ميشال عون. لا تخطئوا. لم يغيّر الجنرال مواقفه السياسية. نحن نتحدث عن جنرال 14 آذار 1989 الذي أعلن "معركة التحرير" ضد الاحتلال السوري.

من يستمع إلى "جنرال الرابية" يستعصي عليه جمع ما يقوله الجنرال  الآن مع ما كان يقوله قبل 24 سنة. اختلفت مواقفه كثيراً. حتى تشخيصه للنظام السوري تغيّر مع أن النظام ثابت على حاله منذ 40 سنة. خرج الجيش السوري من لبنان ولم يعد بين النظام السوري وبين اللبنانيين مشكلة. هكذا يبرر افتراقه عن "جنرال بعبدا". حجته منطقية ولا يضربها سوى "احتقاره" توق السوريين إلى الحرية واختراق غزله بنظام البعث للسيادة السورية.

الجيش السوري "هو جيش إرهابي مثل المنظمات الإرهابية" والمرافئ غير الشرعية في لبنان هي "خط سرّي لنقل الإرهاب إلى العالم"، وفي البقاع اللبناني تحتفظ سوريا "بمخيمات التدريب للإرهابيين". هذا ما كان يردده "جنرال بعبدا". ربما كانت الصورة جليّة أمامه وحالياً، عكّر جلاءها شيء ما. ولكن جلاء الصورة كان متحققاً في 18 أيلول 2003، عندما أدلى "جنرال باريس" بشهادة أمام اللجنة الفرعية للعلاقات الدولية في مجلس النواب الأميركي. حينها قال: "لا يمكننا بعقلانية ومنطق الفصل بين النظام السوري والإرهاب. فسوريا تؤمن الملاذ الآمن لعدد كبير من المنظمات الإرهابية".

الآن، اختلف الوضع. هذا ما يصرّ عليه "جنرال الرابية" في مناسبات تتكرّر بتكرار إطلالاته. الآن، سوريا "ستكون البلاد الّتي ستضعُ حدّاً للتطرُّف".  يُلقي الجنرال على النظام السوري مهمات مصيرية في لحظة الثورة السورية، عفواً، في لحظة "التّحرّك التّخريبي في سوريا". حالياً، "إذا لم يوضع حدٌّ للتطرُف، فإنّ هذا النّسيج الاجتماعي والثّقافي الّذي تكوّن بتطابق اختلاط الدّيانتين المسيحيّة والإسلام، سيكون في طريق الانقراض، وهذا لن يحدث"، لأن النظام السوري لن يسقط. لا تسألوا كيف ولماذا. الجنرال أخبر

الجنرال أدرى ويعرف أن "تغيير النظام في سوريا قد يقضي علينا وعلى لبنان لأن الأنظمة التي ستأتي تفكيرها يرجع الى القرن الرابع عشر". هل سمعتم بالقرن الرابع عشر من فم الجنرال؟ عودة سريعة إلى وثائق ويكيليكس تكشف لنا أن الجنرال يعتبر أن "العالم الإسلامي لا يزال متمسّكا بقيم من القرن الرابع عشر". ربما يقصد أربعة عشر قرناً. ولكن لا. الجنرال أدق.

"جنرال بعبدا" كان يقول "لديهم تقليد في سوريا... سفهاء على طول الخط... إنهم يخدمون الصهيونية ويتهمونك بها على طول الخط". "جنرال الرابية" يعتبر أن "الّذين يقومون بالعمل العنفي في سوريا يتعاقدون مع أميركا في سبيل هذا الغرض، وقد ظهرَ قادتُهم على التّلفزيون الإسرائيلي يعدون بالسلام". هل رأيتموهم أنتم؟ لا مشكلة. الجنرال رآهم بالنيابة عنكم.

"جنرال بعبدا" كان يعرف أن "الضعيف لا يعلن حرباً وإنما يقاوم". من بين أمانيه المتواضعة كانت أمنية وقوعه على "سابقة تاريخية تقول إن محتلاً رحل من بلد من دون صدام مسلّح ومن دون دم". الحرية كانت قيمتها أكبر من قيمتها في سوق هذه الأيام. "تحت بيروت هناك سبع وثماني بيروت. فلتكن تاسع بيروت أيضاً. وماذا يمنع إذا بنينا واحدة إضافية أيضاً"، رفع "جنرال بعبدا" رأسه وقال في خضمّ "معركة التحرير".

انحدرت قيمة الحرية مع الأيام. لا يسأل "جنرال الرابية" ذاكرته عن سوابق لنظام ديكتاتوري سقط من دون صراع مسلّح. يُخبرنا أن "الحريات الاقتصادية موجودة في سوريا" و"أن المجتمع السوري يتمتع بالحرية الدينية والحرية الاجتماعية. أما الحرية السياسية التي كانت هي المشكلة فكان ممكناً التوصل اليها بهدوء ومن دون اللجوء الى العنف". لماذا يدفع السوريون ضريبة دم؟ غريب! "أي حقوق إنسان وأيّ بطيخ فهؤلاء أجراء"، يقول لنا "جنرال الرابية".

لنكن منصفين بحق الجنرال. معه حق في الخوف من قوى تعتبر أن "الدّيمقراطية هي ضدّ الشّريعة". الإنكار لا يفيد. ومعه حق في تفضيل بقاء النظام السوري علمانياً لأن سوريا تضم العديد من المجموعات الدينية. ولكن... هذا شأن سوري يقرره السوريون. الجنرال يحذرنا من أننا "لا نكون مرتاحين إن لم تكن سوريا مرتاحة، فكما كانت هي قلقة ودخلت إلى لبنان، فهكذا سيحصل بعدها إن تطور الأمر". غريب هذا المنطق! هل يقصد أن نضاله السابق ضد الوجود السوري كان غلطة؟ "سوريا لم تكن مرتاحة"! كان علينا هدهدة أجهزتها العسكرية والأمنية في لبنان!

لعلّ قراءة الجنرال لشهادته أمام الكونغرس مفيدة في ظل التغيرات التي تشهدها سوريا. حينها وقف "جنرال باريس" وقال: "إن الأنظمة الدكتاتورية التي تزرع في شعوبها الإحساس العارم بالعجز بهدف الحؤول دون إمكانية أي تغيير من خلال الديموقراطية أو السبل السلمية هي سبب الأصولية". لم يكتف بذلك. أردف: "إن الطريق الوحيد الناجع والسبيل الدائم لمنع انتشار الأصولية يكمن في عدم اختيار الديكتاتورية بديلاً للأصولية، بل في تأمين بديل ثالث هو الديموقراطية". 

جنرال... اشتقنا إليك!

(نشر في www.almodon.com في 14/3/2013)